الجنوب السوري… معركة فاصلة لكل الأطراف

مشاهدة
أخر تحديث : Friday 29 June 2018 - 6:35 PM
الجنوب السوري… معركة فاصلة لكل الأطراف

أودت الغارات التي استهدفت الخميس محافظة درعا بحياة حوالي 22 مدنيا، في حصيلة هي الأكبر منذ بدء قوات النظام السوري هجومها على مناطق الجنوب الخاضعة لسيطرة فصائل المعارضة والجيش الحر، والتي من المفروض أنها ضمن اتفاق مناطق خفض التصعيد الذي وقعت عليه روسيا وإيران وتركيا، وأيدته الدول الإقليمية والغربية.

وبدأت قوات النظام، منذ أكثر من عشرة أيام، عملياتها العسكرية انطلاقا من ريف درعا الشرقي، حيث حققت تقدما ميدانيا مكّنها من فصل مناطق سيطرة الفصائل المعارضة في الريف الشرقي إلى جزأين، قبل أن توسّع نطاق عملياتها لتشمل مدينة درعا وريفها الغربي. وانضمت الطائرات الحربية الروسية يوم السبت إلى العملية العسكرية.

وتمكنت قوات النظام منذ بدء هجومها من السيطرة على عدد من القرى والبلدات. كما تخوض اشتباكات مستمرة قرب قاعدة عسكرية في جنوب غرب مدينة درعا، من شأن السيطرة عليها أن تمكنها من فصل مناطق سيطرة الفصائل في ريف درعا الغربي عن تلك الموجودة في ريفها الشرقي.

وعادة ما تتبع قوات النظام استراتيجية عزل مناطق سيطرة الفصائل المعارضة عن بعضها البعض في مسعى لإضعافها وتشتيت جهودها قبل السيطرة على مناطقها.

وتكرّر قوات النظام السوري الأسلوب العسكري ذاته الذي اتبعته في حمص (وسط) وداريا (ريف دمشق) وحلب (شمال) والغوطة الشرقية وغيرها، حيث تبدأ العملية بتكثيف الغارات الجوية وإلقاء البراميل المتفجرة والقصف المدفعي المتواصل، واستهداف البنية التحتية والنقاط الحيوية مثل المستشفيات والمراكز الطبية ومواقع الدفاع المدني، ما يُعطّل نظام الخدمات الأساسية والضرورية للمدنيين ويدفعهم إلى المغادرة.

وأجبرت العملية عشرات الآلاف من السكان على الفرار من بلداتهم وقراهم خصوصا في الريف الشرقي، حيث توجه معظمهم إلى المنطقة الحدودية مع الأردن، الذي أكد أنه سيبقي حدوده مغلقة.

وحذرت سفيرة بريطانيا وكذلك سفيرا هولندا والسويد من تكرار ما حصل في حلب والغوطة الشرقية، أي قصف دموي كثيف ثم استعادة السيطرة على مناطق مع احتمال التوصل إلى اتفاقات إجلاء مع فصائل المعارضة.

لم تكن المعارك في حلب أو في الغوطة سهلة بالنسبة إلى النظام وإن انتهت في الأخير بصفقات مع المعارضة لصالحه، لكن معركة الجنوب ستكون الأكثر صعوبة، حيث تشي المعطيات على الأرض بأن الخسائر ستكون جسيمة بالنسبة إلى الطرفين، فالنظام مصمم على استعادة درعا مهما كانت التكلفة، وفصائل الجيش الحر لا تملك الكثير من الخيارات، وسيكون الدفاع حتى النهاية خيارها الوحيد.

معركة على قدر رمزية المدينة

يعمد النظام السوري إلى فتح أكثر من جبهة في وقت واحد لتشتيت جهود فصائل المقاومة وسهولة اختراقها وسيكون من أولوياته الوصول إلى معبر نصيب الحدودي والسيطرة عليه ليستفيد من ذلك إعلاميا ومعنويا. كما يتبع استراتيجية عزل ريف درعا الشرقي عن الغربي، بيد أنه لم يحقق بعد تقدما حاسما على الأرض، وسيطرته على بصر الحرير وبعض القرى وعزل بعضها الآخر لا يعتبر نصرا عسكريا مهمّا حاليّا.

في الجبهة المقابلة يحاول الجيش الحر، بفصائله المختلفة، التشبث قدر الإمكان بمواقعه -رغم صعوبة ذلك بسبب الغارات الجوية والطيران الروسي الذي يشارك في قصف الجنوب لأول مرة منذ أكثر من عام- واتباع حرب العصابات واستنزاف قوات النظام مستفيدا من المساحات الجغرافية الواسعة لإيقاع أفدح الخسائر الممكنة بقواته. ونجح الجيش الحر حتى الآن في إيقاع بعض الخسائر بقوات النظام.

وعرف عن محافظة درعا أنها كانت من أكثر المحافظات السورية ولاء لفكر البعث، وانخرط معظم شبابها في الوظائف المدنية والعسكرية على حد السواء، والكثير منهم تقلد مناصب حكومية مهمة على مستوى ضباط قادة، ووزراء ورؤساء حكومة سابقين. وكانت أولى المحافظات التي شقت عصا الطاعة وأعلنت العصيان والتمرد على نظام البعث وطالبت بالحرية، بعد أن انطلقت منها شرارة الثورة الأولى في آذار 2011.

وعمل النظام السوري خلال الأشهر الماضية على حشد قوات عسكرية كبيرة ودفعها باتجاه الجنوب، مستفيدا من الفائض والوفرة في القوات العسكرية بعد أن أحكم سيطرته على الغوطة الشرقية ومخيم اليرموك جنوبي دمشق، وتأمينه محيط العاصمة دمشق بالكامل.

وأوكل النظام قيادة العمليات العسكرية للعميد سهيل الحسن، الملقب بـ”النمر”، والمقرب جدا من الروس، وقائد العمليات العسكرية في الغوطة الشرقية ومناطق أخرى، وهو ضابط تمرس بتدمير مدن المعارضة وأتقن سياسة الأرض المحروقة.

ويندرج الجنوب (أجزاء من درعا والقنيطرة والسويداء) ضمن مناطق خفض التصعيد في سوريا والتي لم يبق منها حتى الآن سوى محافظة إدلب. وكان نموذج الإدارة في المناطق الجنوبية التي سيطرت عليها المعارضة إبان الثورة ناجحا في أدائه إلى حد ما، فالفصائل لم تنجرّ -بدرجة مقبولة- إلى مظاهر التطرف على غرار ما شهدته مناطق أخرى، بل حافظت على الهيكل العسكري، والتزمت بمسمى الجيش السوري الحر وضمن قيادة شبه موحدة.

وكانت أخطاء التشرذم والفرقة في الحد الأدنى، على عكس ما جرى في الغوطة الشرقية التي تحوّلت إلى ما يشبه إمارات إسلامية متحاربة فيما بينها؛ وإبعاد عناصر جبهة النصرة نحو الشمال، ومحاربة الفصائل الموالية لتنظيم الدولة الإسلامية كجيش خالد بن الوليد، خير دليل على ذلك.

التدخلات الخارجية

تحكمت الدول التي ادعت دعم الثورة السورية في قادة الفصائل العسكرية والقوى السياسية على حد السواء، ووجهت تحركاتهم بما يتناسب مع مصالحها ورؤاها ودرجة استثمارها لهم، وانعكست خلافات هذه الدول وتقاطعات المصالح على الأداء العسكري والسياسي للمعارضة.

ولم تخرج فصائل الجنوب عن هذه القاعدة، فالتعليمات والأوامر الصادرة عن غرفة الموك (مخابرات دولية تأسّست منذ عامين باتفاق وتنسيق بين مجموعة أصدقاء سوريا) منعتها من فتح أية جبهة وتصعيد في مناطقها لتخفيف الضغط عن الغوطة الشرقية مثلا، رغم المناشدات اليومية من قيادات الغوطة، ورغم أن سياسة النظام وروسيا كانت واضحة على مستوى الانفراد بالمناطق الثائرة وتصفيتها تباعا.

وتأتي رسالة واشنطن لقيادة الجيش الحر في الجنوب “عليكم ألا تقيموا قراراتكم على فرضية أو توقع  تدخل عسكري نقوم به.. فنحن في الولايات المتحدة نتفهم الظروف الصعبة التي تمرون بها، وننصح الروس والنظام السوري بعدم القيام بأي تحركات عسكرية تنتهك منطقة خفض التوتر”، لتكون رسالة واضحة وصريحة ومنسجمة مع قراءة النظام وروسيا للموقف الأميركي المتخبط من الثورة السورية.

وتحمل هذه الرسالة في الوقت ذاته موافقة ضمنية على الحل الروسي ، فإما أن تذعن الفصائل للتسويات وتقبل بمنطق التهجير والتغيير الديمغرافي، الذي يفيد النظام السوري، لكنه قد يصب في صالح أجندة إيران، وإما أن تتعامل مع الآلة العسكرية للنظام السوري وحلفائه.

واعتاد النظام السوري وداعموه على السياسة الأميركية المتذبذبة. وأتقنوا اللعب والمناورة على منطق مصالح الأميركيين في المنطقة وخطوطهم الحمراء. ويكاد الموقف الأميركي يكون أقرب إلى الموقف الروسي الداعم لبقاء نظام الأسد، وقد يكون ذلك في سياق تغير قناعة واشنطن وحلفائها الأوروبيين بضرورة رحيله هو ونظامه كشرط للاستقرار في سوريا.

ويأتي قرار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تعيين مبعوث خاص له في سوريا ليعزز فرضية قبول الغرب ببقاء الرئيس السوري بشار الأسد ونظامه، بل وإعادة تأهيله دوليا، ولن يكون مستغربا أن تشهد دمشق حراكا دبلوماسيا غربيا في القريب.

وكان كافيا إبعاد العناصر الإيرانية وحزب الله، ولو شكليا، لإقناع إسرائيل بغض الطرف عن معركة الجنوب؛ فالمعركة داخلية ضد السوريين ولن تقترب قوات النظام السوري من هضبة الجولان إلا لأداء مهمة دأبت على أدائها بكل حرفية لأكثر من أربعين عاما  ألا وهي حمايتها. ولم تخف إسرائيل قبولها ببقاء بشار الأسد ونظامه، وأدخلت نفسها في تفاهمات استراتيجية مع موسكو.

ولا يشكّل ظهور بعض الميليشيات الطائفية المدعومة من طهران، مثل لواء ذو الفقار، في منطقة بصر الحرير مشكلة للإسرائيليين طالما أنهم في الطرف الشرقي البعيد نسبيا عن حدود إسرائيل، ولطالما تفهمت موسكو الغارات الإسرائيلية على المواقع التي تعتبرها إسرائيل أهدافا حيوية.

ولا يختلف الوضع كثيرا بالنسبة للأردن الغارق في مشاكله الاقتصادية، ولديه من اللاجئين ما يفوق طاقته بكثير. بات الأردن يفضل، والوضع الإقليمي على ما هو عليه، أن تنتهي الحرب على حدوده الشمالية، وأن يعاد فتح المعابر الحدودية الحيوية. أما اللاجئون فقد صرحت الحكومة بأنها لن تسمح بالمزيد منهم على أراضيها، في انتظار إيجاد حل للموجودين أصلا.

ويغيب الموقف التركي عن تحريك جبهة الجنوب، كما غاب في الغوطة الشرقية، ويكتفي الأتراك، المنشغلون بالاحتفال بفوز الرئيس رجب طيب أردوغان، بتحقيق بعض المكاسب الجديدة في الشمال السوري. وبعد أن أحكمت تركيا قبضتها على عفرين، وتمكنت من طرد قوات سوريا الديمقراطية والفصائل الكردية الموالية لها، مستخدمة الآلاف من المقاتلين المهجرين تحت مسميات مختلفة كـ”قوات درع الفرات”، ينصب اهتمامها حاليا على التفاهمات الجديدة مع واشنطن في ما يخص منبج، وكيفية إحكام السيطرة عليها، والإمعان في استخدام نفس المقاتلين لمحاربة كل القوى الكردية ولتأمين حدودها الجنوبية وخلق بيئة سكانية موالية مذهبيا تدين بالولاء لأنقرة.

يدلل منطق الأمور على أن النظام السوري سيربح هذه المعركة أيضا، وأن ذلك مسألة وقت لا أكثر. ولكن من المؤكد أن خسارة المعارضة لهذه المعركة ستكون لها نتائج مختلفة عن سواها، وستكون نقطة تحول محورية ومؤثرة على ما ستؤول إليه الأمور في سوريا والمنطقة.

وما بقي من مناطق سوريا خارج سيطرة النظام يخضع لمعايير ومقاييس مختلفة، فواقع محافظة إدلب بما فيه من تداخلات، ووجود جبهة النصرة أو فتح الشام كقوة وازنة على الأرض يزيد المشهد تعقيدا، ويعطي بعدا عالميا لقضية الإرهاب.

ويدخل حل منطقة الجزيرة السورية الخاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية المدعومة من واشنطن في إطار الحل العام لشكل الدولة السورية، وآلية عودة هذا الجزء في شكل الفيدرالية مستقبلا. ويقول مراقبون “قد يكون من المفارقات المؤلمة في الثورة السورية أن تكون درعا مهد الثورة ومعركتها آخر معارك الثورة الحقيقية”.